يرى الكاتب علي بكير أن تنامي العلاقات بين اليونان ودول الخليج خلال الأعوام الأخيرة لا يقتصر على التعاون الاقتصادي أو الاستثماري، بل يعكس تحولات استراتيجية أعمق ترتبط بتوثيق الشراكة بين أثينا وتل أبيب، ومحاولة توسيع النفوذ الإسرائيلي داخل البنية الأمنية الناشئة في الخليج، في وقت تسعى فيه دول المنطقة إلى إعادة رسم توازناتها الإقليمية.
ويشير تقرير ميدل إيست آي إلى أن اليونان كثفت حضورها في الخليج عبر مسارين متوازيين؛ أولهما تعزيز التحالف العسكري مع إسرائيل، وثانيهما استثمار هذا التحالف لبناء شراكات دفاعية وأمنية مع دول مجلس التعاون الخليجي. ويطرح الكاتب تساؤلات حول ما إذا كانت أثينا تؤدي دور الوسيط الذي يفتح لإسرائيل بابًا غير مباشر داخل المنظومة الأمنية الخليجية، رغم التراجع الكبير في قبول إسرائيل إقليميًا عقب حرب غزة.
تحالف يوناني إسرائيلي يتجاوز الاقتصاد
يوضح الكاتب أن المرحلة الأولى من التقارب اليوناني الخليجي، بين عامي 2016 و2021، جاءت في سياق تشكيل محور إقليمي ضم اليونان وإسرائيل وقبرص، واستهدف موازنة النفوذ التركي في شرق المتوسط. وانضمت إلى هذا التوجه دول مثل الإمارات والسعودية وفرنسا ومصر، مستفيدة من حالة الاستقطاب التي صاحبت الأزمة الخليجية عام 2017.
ورغم أن التعاون الاقتصادي والطاقة شكلا الواجهة المعلنة لهذا التقارب، فإن البعد الأمني والدفاعي احتل الموقع الأبرز. فأبرمت أثينا اتفاقيات دفاعية مع الإمارات، ثم عززت تعاونها العسكري مع السعودية عبر نشر بطاريات دفاع جوي وتنفيذ تدريبات مشتركة وزيارات متبادلة بين القيادات العسكرية.
ويرى الكاتب أن انتهاء الأزمة الخليجية وعودة العلاقات بين تركيا وعدد من دول الخليج أضعفا الأساس الذي قام عليه ذلك المحور، غير أن اليونان أعادت صياغة استراتيجيتها خلال الفترة بين 2023 و2026، مستفيدة من استمرار تحالفها الوثيق مع إسرائيل وتصاعد التوتر مع أنقرة.
ويؤكد أن ما يميز هذه المرحلة هو اندماج السياسات الدفاعية اليونانية والإسرائيلية بصورة غير مسبوقة، إذ تعتمد أثينا على أنظمة تسليح إسرائيلية متطورة، بينها مشروع الدفاع الجوي "درع أخيل" الذي تقدر قيمته بنحو 3.5 مليار دولار، إلى جانب شراء أنظمة صاروخية دقيقة، بينما تشارك شركات إسرائيلية في تدريب الطيارين اليونانيين ونقل التكنولوجيا العسكرية إلى الصناعة الدفاعية اليونانية.
الخليج بين المنافسة التركية والطموحات الإسرائيلية
يعتقد الكاتب أن التحرك اليوناني داخل الخليج يخدم هدفًا إسرائيليًا يتمثل في الحفاظ على حضور غير مباشر داخل المنظومة الأمنية الخليجية، دون الحاجة إلى مشاركة إسرائيل رسميًا فيها. فاليونان، وفق هذا التصور، تحمل التكنولوجيا والخبرات والعقيدة العسكرية الإسرائيلية إلى شراكاتها الدفاعية مع دول الخليج.
ويضيف أن هذا التوجه يتزامن مع تحسن العلاقات بين تركيا ودول مجلس التعاون، بعدما بدأت هذه الدول تنظر إلى أنقرة باعتبارها شريكًا استراتيجيًا في مجالات الأمن والدفاع، خاصة مع امتلاكها صناعة عسكرية متطورة ومواقف داعمة لعدد من القضايا العربية والإسلامية.
ويلفت الكاتب إلى أن تركيا تسعى إلى بناء هيكل أمني إقليمي يعتمد على تعاون القوى الرئيسية في المنطقة، مثل السعودية ومصر وباكستان، وهو مشروع يرى أنه يتعارض مع الرؤية التي تتبناها اليونان وإسرائيل.
كما يربط الكاتب بين هذا التنافس ومشروعات البنية التحتية الكبرى، مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي يربط الهند بإسرائيل ثم الإمارات والسعودية وصولًا إلى أوروبا عبر اليونان، بينما يستبعد تركيا ومصر من مساره، وهو ما يعكس، بحسب الكاتب، أبعادًا جيوسياسية تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية.
تساؤلات حول مستقبل الشراكات الأمنية
يشير الكاتب إلى أن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران دفعت اليونان إلى تكثيف اتصالاتها الدفاعية مع دول الخليج، إذ أجرى وزير الدفاع اليوناني جولات شملت الإمارات وقطر والسعودية، عارضًا تعزيز التعاون الأمني في ظل تصاعد التوتر الإقليمي.
ويرى أن هذا التحرك يثير تساؤلات بشأن قدرة اليونان على لعب دور أمني مستقل، خاصة أن بنيتها الدفاعية تعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا الإسرائيلية، في حين استخدمت منشآت عسكرية يونانية لدعم العمليات العسكرية التي أدت إلى اندلاع المواجهة مع إيران.
ويخلص الكاتب إلى أن تشابك الصناعات العسكرية والعقائد الدفاعية وآليات تبادل المعلومات بين أثينا وتل أبيب يجعل الفصل بين سياسات البلدين أكثر صعوبة، ويمنح إسرائيل نافذة غير مباشرة للتأثير في ترتيبات الأمن الخليجي.
ويختتم بالتأكيد أن صناع القرار في الخليج مطالبون بالنظر إلى ما وراء الاتفاقيات الثنائية والمشروعات الاقتصادية، ودراسة الخلفيات الاستراتيجية للتحالف اليوناني الإسرائيلي، خصوصًا في ظل استمرار التقارب الخليجي مع تركيا، لأن أي شراكة دفاعية جديدة قد تحمل أبعادًا تتجاوز ما يظهر في البيانات الرسمية.
https://www.middleeasteye.net/opinion/has-greece-become-israels-trojan-horse-gulf

